الشيخ محمد النهاوندي

15

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

أنّ من وظائف الإيمان أن لا يَسْخَرْ قَوْمٌ وجمع من رجالكم مِنْ قَوْمٍ وجمع آخرين منهم ، ويستهزئ بعضكم ببعض عَسى ويرجى أَنْ يَكُونُوا أولئك المسخورون والمستهزئون بهم « 1 » أفضل من الساخرين ، و خَيْراً مِنْهُمْ وأقرب عند اللّه وَلا تسخر نِساءٌ منكم مِنْ نِساءٍ اخر منكم ، ولا تستهزئ بعض المؤمنات ببعض آخر عَسى ويرجى أَنْ يَكُنَّ أولئك المسخورات والمستهزئات بهنّ « 2 » أفضل من الساخرات والمهزّئات « 3 » و خَيْراً مِنْهُنَّ عند اللّه ، فانّ ملاك القرب والبعد عند اللّه مستور عنكم ، ليس ممّا يظهر من الأشكال والصّور ، ولا الأوضاع ولا الأطوار التي يدور عليها أمر السّخرية غالبا ، فليس لأحد أن يحقّر أحدا ، فيكون قد حقّر من عظّمة اللّه ، وأهان من وقره اللّه ، كإبليس الذي حقّر آدم فحقّره اللّه وطرده من رحمته ، ولذا روي : أنّ اللّه تعالى قال : « أوليائي تحت قبابي ، لا يعرفهم غيري » « 4 » . وإنّما لم يذكر سبحانه سخرية الرجال للنساء وبالعكس ، لأنّهما نادران « 5 » ويحتمل أنّه تعالى أراد من ( يكون ) معنى ( يصير ) فالمعنى : أن يصيروا خيرا منهم ، ويصرن خير منهنّ ، فانّ الغنيّ الذي يستهزئ بالفقير لفقره ، يحتمل ان يصير الغني المهزّئ « 6 » فقير ، ويصير الفقير المهزّأ به « 7 » غنيا ، وهكذا . عن ابن عباس : أنّ الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس ، كان في اذنه وقرأ ، فكان إذا أتى مجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسّعوا له حتى يجلس إلى جنبه ، يسمع ما يقول ، فأقبل ذات يوم وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر ، فلمّا انصرف النبي صلّى اللّه عليه وآله من الصلاة اقبل نحو رسول اللّه يتخطّى رقاب الناس وهو يقول : تفسّحوا تفسّحوا ، فجعلوا يتفسّحون حتى انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بينه وبينه رجل ، فقال له : تفسّح ، فلم يفعل ، فقال : من هذا ؟ فقال له الرجل : إنا فلان بن فلان ؟ فقال : بل أنت ابن فلانة ، يريد أمّا له كان يعيّر بها في الجاهلية ، فخجل الرجل ، ونكّس رأسه ، فأنزل اللّه هذه الآية « 8 » . وروي أنّ عائشة قالت : إنّ امّ سلمة جميلة لولا أنّها قصيرة « 9 » . وعن القمي : أنّها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب زوجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وذلك أن عائشة وحفصة كانتا تؤذيانها وتشتمانها ، وتقولان لها : يا بنت اليهودية ، فشكت ذلك إلى رسول اللّه ، فقال : « ألا تجيبيهما ؟ » فقالت : بماذا يا رسول اللّه ؟ قال : قولي إنّ أبي هارون نبي اللّه ، وعمّي موسى كليم اللّه ، وزوجي محمد رسول اللّه ، فما تنكران منّي ؟ ! » فقالت لهما ، فقالتا : هذا ما علّمك رسول اللّه . فأنزل اللّه

--> ( 1 ) . كذا ، والصواب : المسخور منهم ، والمستهزأ بهم . ( 2 ) . كذا ، والصواب : المسخور منهنّ ، والمستهزأ بهنّ . ( 3 ) . كذا ، والصواب : المستهزئات . ( 4 ) . تفسير روح البيان 9 : 80 . ( 5 ) . في النسخة : نادر . ( 6 ) . كذا ، والصواب : المستهزئ . ( 7 ) . كذا ، والصواب : المستهزأ به . ( 8 و 9 ) . تفسير روح البيان 9 : 80 .